محمد سعيد رمضان البوطي
272
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
جاء في المدوّنة وهو من رواية سحنون عن مالك رضي اللّه عنه قوله : « قلت أرأيت إذا أقر بشيء من الحدود بعد التهديد أو القيد أو الوعيد أو الضرب أو السجن ، أيقام عليه الحد أم لا ؟ قال : قال مالك : من أقر بعد التهديد أقيل ، فالوعيد والقيد والتهديد والسجن والضرب تهديد عندي كله وأرى أن يقال » ثم قال : « قلت فإن ضرب وهدد فأقرّ فأخرج القتيل أو أخرج المتاع الذي سرق ، أيقيم عليه الحدّ فيما أقر به أم لا وقد أخرج ذلك ؟ قال : لا أقيم عليه الحد إلا أن يقرّ بذلك آمنا لا يخاف شيئا » « 61 » . 3 - دلنا حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لحاطب وجوابه له ، ثم القرآن الذي نزل بسببه ، على أنه لا يجوز للمسلمين - في أي ظروف كانوا - أن يتخذوا من أعداء اللّه تعالى أولياء لهم يلقون إليهم بالمودة ، أو أن يمدوا نحوهم يد الإخاء والتعاون ، وذلك رغم ما كان قد اعتذر به حاطب من أنه لصيق بقريش ليس له فيها شيعة تدافع عنه أو يحتمي بها ، فهو يريد أن يتخذ عندهم يدا يحتمي بها ، عندما يحتمي غيره بما له بينهم من قرابة وأهل . إن الآيات القرآنية نزلت صريحة تأمر المسلمين أن يجعلوا ولاءهم للّه وحده ، وأن يقيموا علاقاتهم مع الناس ، أيّا كانوا ، على أساس ما يقتضيه ولاؤهم لهذا الدين الحنيف والإخلاص له وإلا كيف يتصور أن يضحي المسلمون بأموالهم وأنفسهم وشهواتهم وأهوائهم في سبيل اللّه تعالى ؟ ! . وتلك هي مشكلة كثير ممن يعدون أنفسهم مسلمين في هذا العصر . يقبلون إلى المساجد للصلاة ، ويتمتمون بالكثير من الأذكار والأوراد ، وتظل مسابحهم تطقطق حباتها في أيديهم ، ولكنهم يقيمون علاقاتهم مع الناس على أساس الولاء للأهل والعشيرة ، أو مصلحة المال والدنيا ، أو وحي الشهوات والأغراض . ولا يهمّهم أن يبيعوا بذلك الحق بالباطل أو أن يجعلوا من دين اللّه غلافا للأماني الدنيوية الحقيرة ! . . أولئك هم المنافقون الذين بسببهم يعاني المسلمون من صنوف التأخر والتفرق والضعف ، وتلك هي الواجهة التي تقام في كل مرة في وجه المؤامرات المختلفة التي تحاك ضدّ إسلام المسلمين ودينهم ! . . ثالثا - أمر أبي سفيان وموقف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم منه : والعجيب في أمر أبي سفيان يوم الفتح ، أن يكون هو أول وطليعة المحذرين لقومه من قتال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وأن يكون في مقدمة الداخلين في دين اللّه أفواجا يومئذ ، وهو الذي لم تخرج غزوة من مكة لحرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، إلا بإشرافه وتوجيهه وتهييجه ! . . ولعل الحكمة الإلهية شاءت أن تفتح مكة بدون قتال يذكر ، وأن يدين أهلها
--> ( 61 ) المدونة : 16 / 93